أضيف في 26 يونيو 2021 الساعة 02:51


قصة قصيرة.. الصحافة عالم مجنون..



بقلم - عبد الرحيم هريوى

قلت له يا صديقي سعيد؛ إن عالم الصحافة عالم  مجنون ..!

- إنه عالم أحمق ..!

- عالم التيه والمتاعب.. !

- عالم العجائب و الغرائب ..!

وكل من دخله في يوم من أيام عمره برغبة وحب و لهفة جامحة، لا بد له أن يتيه فيه و يغرق في بحره اللجي المتلاطم الأمواج، وكلما أخرج يده فلا يكاد يراها، وتختلط عليه الأوراق البيضاء والسوداء..وألوان الأسطر وتشابه الأحرف والكلمات و بلاغة في اللغة..!

 ويصاب بمرض أشبه بالزهايمر في عمر الزهور..

 في عالمه المجنون ..

 في عالمه الأحمق .. 

في عالم الحبر والقلم والورق ..

ويفقد فيه بطاقته الشخصية..

وينسى فيه عنوان إقامته..

 وتختلط عليه كذلك الأزقة والشوارع والدروب ..

وتتشابه عليه الصور في ذاكرته..

 ويظل المسكين تائها متسكعا يسأل كل من يتخيل بأنه يعرفه، أو بأنه قريب أو صديق قديم، لعله يساعده ليهتدي لمراده ..لعله يجد حلا لمشكلته..وهكذا تراه تائها مذهولا..غائبا..مخطوفا..مهموما طيلة عمره في عالمه المجنون .. في عالمه الأحمق .. يبحث له عن مخرج لمصيبته.. لمشكلته .. لضائقته .. لقضيته الصغرى .. ولقضيته الكبرى .. فهو في حيرة من أمره..!!
- أيسأل هذا أم ذاك..!
- وأيهم يدله عن عنوانه، الذي يبحث عنه ..!
- إنه لا يقدر على البوح بحقيقته، لأي كان..!

وهكذا يدأب على حاله، يسائل نفسه حينا، ويسائل ضميره حينا آخر، وهو يبحث له عن عنوانه الضائع ..

عن عنوانه المنسي..

عن حقيقته الغائبة، يبحث ويتقصى أخباره وأحداثه ليعرف هويته..

-  فمن هو يا ترى ؟

- هل هو من هنا ؟

- أم من هناك ؟

دماغه شبيه بحاسوب يشتغل دون توقف..!

 دماغه شبيه بحاسوب لا ينطفيء.. !

يعمل جاهدا على ترتيب ملفاته. ويحضرها ليستعيد ذاكرته.. ليحيي ماضيه وتاريخه المنسي ..

- ليعرف بنفسه و من أي أرض جاء..!

- وكيف رمته الأقدار ها هنا ؟؟

 في وسط هذا العالم  الغريب الأطوار الذي دخله فجأة . فرمى برجليه في بركة كبيرة من الماء الآسن..لا نهاية له .. فالتصقت قدميه بالوحل، وكلما رفع رجلا التصقت الأخرى بالوحل..

- لهذا  نقول له :

- بأن عالم الصحافة عالم مجنون ..!

عالم الجنون..!

عالم أحمق وعالم الحمق و التيه...!

عالم لا أمان فيه..!

لا راحة بال ولا نفس في عوالمه المتشعبة..

 يعيش من دخله في عالم غريب …

 بلا هوية..

وبلا عنوان ..

 يعيش فيه .. صراعاته الفرعية والجانبية  مع الكل.. مع أصدقائه .. مع أعدائه.. صراعاته الدائمة و المستمرة، فلا تنتهي و لا تتوقف بين مطامحه وضميره الحي.. أو ضميره المتواجد في عطالة منذ زمان .. وبين ما يفكر فيه و ما يكتبه..؟!

بين ما يريد تبليغه وما يريد الكشف عنه و تعريته و فضحه ..

بين من يطارد ظله .. خيالاته ..حركاته.. سكناته..ليعيد قراءة حياته و شخصيته من جديد يدونها ..ويكتبها عنده من ألفها إلى يائها ..

 إنه عالم مجنون..إنه عالم أحمق ..فلا يدخله أصحاب الأكباد الهشة والرطبة.. ولا أصحاب القلوب الضعيفة التي تعاني من ارتفاع الضغط الدموي و مهددة بالسكتة القلبية  في أي وقت وحين ..!

هو ذاك عالم الصحافة..!

 العالم  المجنون ..!

 العالم الأحمق.. !

عالم  التيه والضياع وفقدان الهوية و الذاكرة ..!

- أجابني صديقي سعيد بعد إنصات، وهو يستهزئ من قولي ..متهكما..ضاحكا ..لقد أحسنت في مداخلتك  يا صاح!

- أتظننا في ندوة فكرية، تريد أن تشرح وتنظر من خلال تعابيرك الرومانسية والخيالية.قد تصلح بالفعل كنص أدبي "منثور"، يمكن أن نختار له عنوانا مناسبا من بين هذه العناوين و تنشره في منبر إعلامي يهتم بالثقافة والأدب وفنونه..      

 - الصحافة عالم الحمق و الجنون..!

- نظرت إليه كأي صديق يحب صديقه؛ ويرغب في نصيحته ، وخاصة بالنسبة لسعيد الذي أعتبره صديق الظل .. وقد عشنا عن قرب؛ لعقود عديدة من الزمان . وكلانا يحب الخير لصاحبه، ويحسبه صورة منه، وشاءت الأقدار أن نفترق في محطة مهمة من دراستنا بعد نيلنا لشهادة البكالوريا بمعدل ممتاز جدا..

كل واحد منا سيتوجه نحو إتمام طريقه نحو الهدف الذي رسمه في دراسته .. وكان يتمناه ..!

فأما أنا فقد كنت أرغب في ولوج إحدى مدارس المهندسين ،أما صديقي سعيد فلم يحسم في أمره بعد.. وما زال مترددا في حسم قراره النهائي ..بعدما توصل برد أكثر من مدرسة ومعهد ومؤسسة لإتمام دراسته في السلك العالي ..

لكن لما رأيته قد حسم أخيرا في المعهد العالي للصحافة بالدار البيضاء ، و برغبة جامحة وبنسبة عالية، دون أن يفكر ولو مرة في كلية الطب ولا مدرسة المهندسين أو أي مدرسة أخرى راقية خارج المغرب. كان لا بد لي أن أنصحه بطريقة من الطرق لعله يعيد التفكير في قراره ولو باستفزازه، قبل فوات الأوان ..نصيحة لم تمتد من فراغ، فلدينا كم من صديق وقريب وحبيب ولج عالم الصحافة والنشر ويحكي لنا حكايات وحكايات تصلح  لكتابة نصوص روائية و قصصية مشوقة ، لأنها تتوفر فيها جميع الشروط، من شخوص وأبطال وأحداث مسترسلة وتشويق وأزمنة ومكان..

لكن صديقي سعيد لم يهتم بي، ولا بنصيحتي عن العدول عن اختياره لأنه بلا شك سيلج عالم المتاعب من بابه الواسع.. ويدخل حينها المعهد العالي للصحافة بالدار البيضاء..فيما أنني ولجت مدرسة المهندسين بالرباط وشاءت الأقدار أن نفترق..لا نلتقي إلا في كذا مناسبات قليلة وكلانا يحكي عن عالمه..أنا أحكي له عن بناء القناطر ومد الجسور والطرق و تكلفتها المالية و اللوجيستيكية والفنية وهندستها وإبداعها وجودتها ..

وهو يحكي لي عن عالم الصحافة والنشر والبحث له عن الخبر والمسؤولية الأخلاقية والأدبية في التحليل والكتابة والنشر ودور الصحفي في التوعية وتوجيه الرأي العام عبر ما ينشره...لكن ليست له الشجاعة الكافية ليقول لي كل شيء رغم بعض تلميحات لعالمه المجنون الذي ولجه عن سبق إصرار وبإرادة تامة ، ولا مجال الآن للرجوع للوراء والبكاء عن الأطلال ..لقد صار يتكلم لغة الإعلام والصحافة والنشر بصدق  قل نظيره ، وبعفوية مطلقة ودون مبالاة...وهو يحكي لي ؛ لقد قال لنا أحد الأساتذة المشهورين بالمعهد ، والذي له منبرا صحافيا مشهورا :
- "الصحافي يمشي في حقل من الألغام المتفجرة " وبعدها صار يبني كلامه بحكم وفكاهة عما قيل على لسان الكثيرين من المهتمين بالشأن الصحفي عبر العالم وهو يسترسل في كلامه  :
- الصحافة إشاعات منظمة..
- إذا كنت لا تقرأ الصحف فأنت جاهل، و إذا كنت تقرؤها فأنت مُضَلل..!
- في أمريكا، يحكم الرئيس لأربع سنوات، أما الصحافة فإنها تحكم للأبد.!
- القانون الأول في الصحافة: أن تؤكد حكما قائما بدل أن تناقضه!

وجرى الزمان سريعا؛ وطويت الأيام طيا ...أنهيت دراستي وحصلت على وظيفة بإحدى الشركات الأجنبية المستثمرة بالمغرب، و براتب محترم وأقمت بصفة رسمية بالمدينة الحمراء. وأمسى شغلي الشاغل هو إثبات لذاتي وقدراتي .. وتكوين أسرة صغيرة، وتحقيق ولو جزءا يسيرا من الأماني ورغبات الشباب..

أما صديقي سعيد ؛ فقد انتقل عبر أكثر من محطة؛ لأكثر من منبر إعلامي وجرب أكثر من مؤسسة إعلامية، ومارس مهنة المتاعب هنا وهناك ، ليستقر به المطاف كمدير رئيسي بإحدى الصحف الوطنية الذائعة الصيت . وأمسى رقما صعبا ؛ وقلما مؤثرا وشخصية إعلامية متميزة ووازنة. وبنى له صرحا شامخا بكتاباته وتغطياته الإعلامية والصحفية لأكثر من محطة تعيشها البلاد وصار يهاب عموده المشهور" بالحقيقة الغائبة "بجريدته المستقلة "الشعب " بحيث يعد قراؤها بالملايين ،مما أهله لإحداث مجموعة شركة إعلامية مستثمرة في مجال الصحافة والنشر.. وجمع له ثروة فاقت كل التوقعات.. وكان اتصالنا يتم عبر المكالمات الهاتفية، أو عبر باقي مواقع التواصل الاجتماعية الأخرى..أو في مراكش والدار البيضاء والرباط خلال الاجتماعات واللقاءات والملتقيات الوطنية والدولية . وعادة ما تكون نقاشاتنا لساعات طويلة نتجاذب فيها الحديث ، ولا تخرج عن الأوضاع الثقافية والاقتصادية والسياسية للوطن، وكل منا كان يعبر عن رأيه بصدق ، ويحلل تبعا لقناعاته وتوجهاته الفكرية ..!

وظلت الصداقة القديمة تحكمنا.

وظل كل لقاء بيننا نحيي فيه ذكريات زمان الجميلة والممتعة والتي عشناها معا في مرحلة الشباب..

لكن سعيد؛ ظل وفيا هو الآخر لروح صداقتنا، وهو لم ينسى قط نصيحتي التاريخية له؛ عن عالم الحمق و الجنون ، ولقد عانى على أكثر من مستوى ،وظل يلعب على أكثر من حبل. وعاش الاصطدامات المباشرة والغير مباشرة مع أكثر من جهة..

وظلت مقالاته تثير أكثر من زوبعة..

وكان دائما ولحسن حظه يخرج منها سالما..لكنه ظل يعاني ويكابد في صمت وفكر لأكثر من مرة أن يهاجر خارج الوطن أو يطلق عالمه المجنون الطلاق الثلاث. لكنه لم يقدر ولم يستطع بداية مشوار جديد في مجال آخر…

وشاءت الظروف أن يكتب مذكراته في آخر مشوار حياته بعدما صار شيخا من شيوخ الصحافة والإعلام والنشر وأحد أهراماتها  الكبار..

 واختار نصيحتي القديمة له ، كمقدمة لكتابه الذي سينشره تحت عنوان :

"الصحافة عالم مجنون.."

...




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مغني الراب الايغرمي الشاب مولاي شاطر محمد

مسلمة ومسيحية ويهودية.. ثلاث فنانات جمعهن الغناء من أجل ثقافة واحدة

عمرو دياب أغنى فنان عربي بـ 41 مليون دولار.. تتبعه نانسي

حنان ترك تتسابق مع ولديها لختم القرآن في رمضان وتقول ان الحجاب لا يعوق التمثيل ولو في غرفة النوم

وفاة هند رستم مارلين مونرو العرب

الشاب جدوان: رأيت الرسول في منامي فاعتزلت الغناء

من علماء الإسلام :الإدريسي مؤسس علم الجغرافيا الحديث

بعد 62 عاماً من الفن ومائتى عمل .. وفاة كمال الشناوى بعد صراع مع المرض

ايمان الباني ملكة جمال المغرب

رامى عياش يحيى حفلاً غنائياً بالمغرب