أضيف في 17 يوليوز 2012 الساعة 16 : 00


صورة المجتمع في الـ"فيسبوك"



صورة المجتمع في الـ"فيسبوك"

أحمد عصيد

سألني أحد المواطنين الذي تعوّد على قضاء وقت كثير ضائع في نقاشات الفيسبوك مستغربا لأسلوب النقاش المحتدم حول الحريات الجنسية، ضحكت وقلت: هذا دليل على أن الأقلية المنظمة تستطيع أن تظهر بمظهر من يمثل المجتمع في غياب الأغلبية المتفرقة والمتشرذمة، فدعاة قطع الرؤوس والجلد والرجم بالحجارة وكل الفظاعات اللاإنسانية معروفون، وهم مواطنون مصابون بلوثة الوهابية الخبيثة، وهم أيضا أقلية لا تذكر مقارنة بحجم السكان الذي تجاوز ثلاثين مليونا، لكنهم مواظبون على الحضور في نقاشات الأنترنيت لأن ذلك يعطيهم فرصة التعبير عن آرائهم المتطرفة دون أن يحاسبوا عليها، ما داموا يستعملون الأسماء المستعارة، ولا يضعون صورهم وأسماءهم الحقيقية بجانب آرائهم.

إن التعبير عن الرأي مرتبط بقدر من الشعور بالمسؤولية، وهو بالذات ما لا يوجد في حالة غياب الهوية والتسمية، والتي وحدها تستطيع أن تضع المرء أمام مرآة نفسه، فيختار الكلمات ويفكر في الآخر الذي يتلقى خطاباته، ويحرص على قدر من المصداقية لنفسه أمام الآخرين. مع غياب الإسم أو الصورة تستيقظ مشاعر النقمة ضدّ الآخر المختلف، وتزداد الرغبة في الانتقام، وهي ما يعطل ملكات التفكير والنقد والاستماع والبرهنة والمحاججة، حيث تعوضها جميعها عواطف اندفاعية عمياء، هدفها الإساءة أو تفريغ المكبوت وتزداد هذه المشاعر قوة في ظل مجتمع مغلق عن الحوار الشفاف والتربية على الإختلاف، حيث يُفهم الاختلاف على أنه "استفزاز مشاعر" وليس نمط حياة موجود وقائم له شرعيته.

ما هي صورة المجتمع المغربي التي تعكسها هذه الزوابع الفنجانية في الفيسبوك وعلى المواقع الإلكترونية، والتي أبطالها أقلية منظمة تحاول الظهور بمظهر من يمثل الشعب المغربي ؟

مجتمع أمي غير متعلم:

حيث يبدو مما يكتبه الكثيرون كما لو أن المغاربة لا حظ لهم من التعليم، إذ لا يفهمون كيف يقاربون الإشكاليات ويتناولون القضايا الخلافية بالنقد والتقييم والحجاج، كما يظهر من أغلبية ما يكتب أن "المجتمع المغربي" الذي يمثله هؤلاء المتشدّدون لا يفهم أبعاد القضايا المطروحة ولا يتعدّى مستوى المحاكمة التي تقوم على صمّ الآذان وعدم الاستماع لحجج الغير.

مجتمع عنيف ووحشي وغير متحضر:


يبدو المجتمع المغربي في الفيسبوك ونقاشات الأنترنيت ـ لقارئ أجنبي لا يعرف المغرب ـ كما لو أنه مجتمع لم تكن له صلة بالحضارة قط، ولم يبرح بداوة أهل الحجاز بجزيرة العرب القاحلة، وأنه مجتمع يعيش احتقانا بمشاعر الكراهية وذهنية الميز ورفض الآخر المختلف، ويتوق إلى دولة الطالبان الظلامية ويستعجل ظهورها بفارغ الصبر.

مجتمع يعاني من كبت جنسي خطير

يبدو المغرب قي نقاشات هؤلاء أقرب إلى المجتمع اليمني أو مجتمعات العشائر النفطية، حيث تغشى المرأة بأنواع القماش باعتبارها عورة تثير شهوات الرجال، وحيث يفضل الناس الحديث فيما لا يفعلون وفعل ما لا يقولون، وحيث يسيئون التصرف في حرياتهم عندما تسنح لهم الفرصة لأنهم لا يعرفون كيف يكونون أحرارا، مجتمعات يعاني أعضاؤها من أزمات نفسية لا يفرجون عنها إلا بالسفر إلى البلدان الأكثر تحررا من أجل تنفس نسمة هواء عطرة، قبل العودة إلى محمياتهم المراقبة.

هذه بعض ملامح صورة المغرب في الأنترنيت، لكنها من حسن حظنا ليست بالصورة الحقيقية، وإنما هي صورة الأقلية المنظمة التي تحلم بأن تحكم المغرب وتفسد قيمه الحضارية المنفتحة، وهو حلم يتغذى من تشرذمنا نحن الأغلبية المتفرقة.




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة