أضيف في 13 يوليوز 2020 الساعة 19:35


حي الأندلس بتارودانت.. خطوات ثابتة نحو مشروع الحي الثقافي الأول بالمدينة


بقلم: عبد الحنين برهي

يعتبر الخروج القسري عن العادة، ومحاولة مراجعة الذات من حسنات فترة الحجر الصحي الأخيرة سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى التجمعات السكانية.

وعلى هذا الأساس بادر سكان حي الأندلس وشباب جمعية الحي بمدينة تارودانت إلى تنظيم حملة نظافة، وإعادة صباغة جدران الحي و تزيين فضائه بأصص ونباتات، حيث بُعِث إلى الوجود إحساس جمعي مشترك لساكنة الحي بمدى أهمية استحضار البعد الجمالي للحي في ظل الإعتياد على تردي صورته و شكله كما جاء على لسان الاخ شكيب الرغني رئيس جمعية شباب الأندلس والممثل الرسمي للمبادرة.

قال الفنان التشكيلي الروسي فاسيلي كاندينسكي: " الألوان هي القوة الوحيدة التي يمكنها التأثير مباشرة على الروح". فمباشرة بعد حملة النظافة والتزيين، وانطلاقا من الإرادة الجمعية لساكنة حي الأندلس برزت إلى الوجود فكرة إنشاء أول حي ثقافي في مدينة تارودانت. بادرة تستحق كل التنويه والتشجيع خصوصا في ظل ما تعرفه المدينة من تفشي ظواهر اجتماعية دخيلة كالعنف، انتشار المخدرات بين القاصرين وكذلك تراجع او اختفاء مجموعة من الأنشطة الثقافية المرتبطة بهوية وتاريخ المدينة كليلة البركة، تامصريت، الإستعراض، "المعروف" ولائحة طويلة من الأنشطة المأسوف عليها.

هذا بالإضافة للعشوائية التي يعرفها القطاع الثقافي بالمدينة في غياب هيكلة واضحة، والاقتصار غالبا على أنشطة ومناسبات قصيرة الأمد دون الخوض في مشاريع على المستوى البعيد تعنى بدعم مبادرات ومشاركة الساكنة، برد الإعتبار للموروث الثقافي للمدينة وبترسيخ سياسة حقوقية تتيح الفرصة لجل فئات المدينة للإستفادة من حقوقها الثقافية.

من خلال كل ما سبق وانطلاقا من كون الثقافة قناة لنقل القيم وتفعيلها، ساتطرق خلال هذا المقال أولا إلى مفاهيم الثقافة، الأنشطة الثقافية، والحي الثقافي. ثم سأسرد مجموعة من الأنشطة المراد إنجازها ضمن مشروع أو مبادرة الحي الثقافي بدرب الأندلس. بعد ذلك سأتطرق لأهم الأهداف المتوخاة من هذه المبادرة. واخيرا سأخرج بمجموعات من الرسائل والتوصيات للمسؤولين، للجمعيات وكذلك للرأي العام الروداني بخصوص استغلال شرارة هذه المبادرة لاندلاع نار تغيير نحو مجتمع حقوقي وثقافي منشود، و نحو خلق أحياء تليق بالساكنة الرودانية.

تعتبر الثقافة من بين المفردات الإنسانية التي لها تعريفات كثيرة متعددة. لذلك سأسقتصر في هذا المقال أولا على تعريف العالم الانثربولوجي Taylor الذي جاء فيه:

" الثقافة هي نظام متكامل يشتمل على كلٍّ من المعرفة، والفن، والقانون، والعادات والتقاليد، والأخلاق، وغيرها من الأمور التي يكتسبها الإنسان". ثم على التعريف المعتمد من طرف منظمة UNESCO حيث تعرف الثقافة على أنها "جميع السمات الروحية، المادية الفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا أو مجموعة اجتماعية. بالإضافة إلى الفنون، العلوم، أنماط الحياة والقوانين ونظم القيم والتقاليد".

من خلال ما سبق يمكننا تحديد مفهوم الثقافة في نظام يؤطر العلاقات الاجتماعية بين افراد المجتمع الواحد، يضمن انتقال المعرفة، المنظومة القيمية، والعادات والتقاليد إلى الأجيال القادمة، ويميز كل مجموعة بشرية عن غيرها.

أما بخصوص مفهوم الأنشطة الثقافية باعتبارها أعمدة أساسية ضمن مشروع "حي الأندلس الثقافي" فيمكن وصفها بكل نشاط يستهدف الخلق، الإنتاج، التوزيع، والاستهلاك في ميادين المسرح، الموسيقى، الرقص، الفن التشكيلي وباقي الأنشطة ذات البعد الثقافي التي ترنو بالأساس من جهة إلى تطوير ملكة التعبير واستقلالية الرأي لدى الأفراد، ومن جهة أخرى إلى خلق مجال للتواصل وللإلتقاء على مستوى المجتمع.

وبعد حواري مع الاخ شكيب رئيس جمعية شباب الأندلس، بدا جليا إرادة الجمعية في خلق وتنظيم انشطة ثقافية كمكتبة الحي، متحف، روض إيكولوجي وسينما كنقطة بداية في هذا المشروع الطموح لتوفير أجواء ثقافية في محيط ساكنة الحي خصوصا للشباب والأطفال، وكذلك كنقطة تواصل مع أحياء وجمعيات من خارج الحي لتبادل التجارب والخبرات.

كما تسعى جمعية شباب الأندلس إلى تحقيق مجموعة من الأهداف من خلا هذه المبادرة كما جاء على لسان رئيسها:

- منح المجال والفرصة لمواهب الحي في عرض أو تطوير مواهبهم.
- ترسيخ وتنمية فخر الإنتماء- سواء إلى الحي أو إلى المدينة- لدى ساكنة الحي.
- تشجيع وتأطير روح المشاركة لدى ساكنة الحي.
- خلق فضاء ذو قيمة جمالية، معرفية وفنية.
- استمالة التطوع لدى الساكنة.
- تحسين ظروف العيش المشترك بين سكان الحي.

سيكون من الجميل رؤية انتشار هذه البادرة بأهدافها النبيلة في أحياء أخرى من مدينة تارودانت خصوصا في ظل غياب سياسية ثقافية واجتماعية واضحة تعنى بتنمية رفاهية الأحياء والفضاءات العامة.

فيمكن تشبيه المبادرات الثقافية الحالية بشجرة ذات اغصان قصيرة تستظل بها فئة معينة، حيث لا يبلغ هذا الظل البقية. أنشطة ثقافية ومشاريع سطحية او موسمية تقصي ماسح الأحذية، دافع العربة، العاملة في الضيعات الفلاحية وباقي فئات المجتمع المقصية. وسيكون من الأجمل التشجيع والاستثمار في هذه المبادرة كونها تلغي الحواجز امام مشاركة، تتيح إمكانية استفادة هذه الفئات من حقوقها الثقافية، وتضمن كذلك ترسيخ مفاهيم القيم، العادات، التقاليد والهوية لدى سكان الأحياء وبالتالي لدى المجتمع الروداني بصفة عامة.

هذه السيرة المتراكمة من الخيبات و من الاقتصار على الجانب المظاهري من الأنشطة الثقافية تستدعي إعادة النظر في نصيب المواطن الروداني من حقوقه الثقافية، وفي مدى التوزيع الديموقراطي للمنتوج الثقافي بين فئات المجتمع الروداني. لذلك اعتمدت في آخر هذا المقال صياغة مجموعة من التوصيات والنصائح من منطلق ثقافة النقد البناء بعيدا عن الشخصنة واتهامات تطيل مضجعنا في بِرَك الماضي، وبعيدا كذلك عن مستنقعات الصور النمطية المنسوبة للميدان الثقافي والتي يمكن تلخيصها في كون الأنشطة الثقافية ذات قيمة ثانوية، ولا تلعب دورا مهما في تقدم المجتمعات.

أولا سأتوجه برسالة إلى المسؤولين لخلق، دعم واحتضان جمعيات الأحياء وجعلها أرضيات جاهزة لزرع مشاريع ذات أبعاد سوسيوثقافية أولا لترسيخ قيم التكافل الإجتماعي والجوار التي بدأت في السنوات الأخيرة تعرف تدهورا وتراجعا، ثم لتسهيل تنزيل سياسات ومشاريع في إطار ديموقراطي تشاركي مع ساكنة المدينة. كما أدعوهم لضرورة توفير دور شباب أو مقرات بهذه الأحياء تسمح بتنظيم انشطة متنوعة يستفيد منها سكان الأحياء.

ثانيا أدعو جمعيات المجتمع المدني بجميع اختصاصاتها ربط شراكات مع جمعيات الأحياء قصد التأطير وتبادل الخبرات فيما يتعلق بتنظيم وتأطير الأنشطة أو كذلك بخصوص ترجمة مشاكل الحي إلى مطالب في محاولة لإيصالها للجهات المسؤولة.

ثالثا ادعو جميع مثقفي المدينة إلى الإنخراط والتطوع في مبادرات جمعيات الأحياء ومد يد العون، وإلى لعب دور المثقف العضوي المساهم في التغيير الإيجابي داخل البيئة التي يعيش فيها.

وأخيرا أدعو الرأي العام الروداني إلى التحلي بالإيجابية عند كل مبادرة جديدة من قبيل مبادرة حي الأندلس. فالمرحلة الحالية تتطلب منا دعم كل محاولة تقدم نحو الأمام بغض النظر عن موقفنا منها او من اصحابها. فما الذي استفدناه خلال عقود من النقد والتراشق غير تجييش الرأي العام إلى أقطاب يسهل استمالتها لأغراض سياسية وبالتالي إلى تجفيف دماء الإبداع والتجديد في مجتمعنا.





 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة