حصيلة فيروس كورونا في المغرب

7495
حالات الإصابة المؤكدة
200
الوفيات
4737
المتعافون


أضيف في 19 ماي 2020 الساعة 00:27


حديث مع الصورة.. التاريخ المحكي من الأرشيف المنسي


بقلم:علي هرماس

في اليوم الوطني للمسرح الذي يصاف 14 ماي من كل سنة، نشر السيد محمد لمين صورة فريدة من أرشيف التاريخ الروداني، وثيقة تاريخية وللتاريخ رجال، صورة حبلى بالرمزيات الوطنية والدلالات الأيقونية بعد مضي 60 سنة عليها، فتوقفت عن تحرير مدونة موضوع تربوي تعليمي، لتكون الأولوية لموضوع تربوي جمعوي، بعدما أسرتني الصورة التي تبدو عادية لا تستدعى أكثر من مسح بصيري سريع، لكن كلما تجاوزنا المشاهدة البصرية السطحية، وتعمقنا في واقع الوثيقة والظرفية الزمنية التي أحاطت بها، والسياق العام الروداني الذي أنتجها، نتبين أننا إزاء وثيقة بمثابة دفة كتاب تخفي خلفها صفحات متعددة.

يتعلق الأمر بفرقة الأمل، أول فرقة لفن المسرح بتارودانت تابعة للشبيبة الاستقلالية التي كان ينضوي تحت لوائها جل شباب تارودانت الأطفال واليافعون، وان كان جلهم منخرط في الكشفية الحسنية المغربية بحكم أقدميتها التي تعود لسنة 1933، لم يمنع هذا الاختيار من وجود مبادرة بين مجموعة محدودة من الشباب الروداني المتحمس، جمعهم قاسم مشترك يتجلى في ما نسميه اليوم فن التعبير الجسدي أو فن الخشبة الذي يشكل المسرح أحد أوجهه التمثيلية، هكذا كانت تتوزع الهوايات التربوية الشخصية عند أبناء تارودانت غداة الاستقلال: فرقة قسم المسرح وهي واحدة، ومجموعة الكشفية الحسنية وهم ثلاثة فئات محددها سنهم.

بالنسبة لمجموعة المسرح كانت النصوص المسرحية تمتحي مضمونها من قضايا الساعة بما يجري في الساحة الوطنية وقتئذ، يتم تجسيدها من خلال ايحاءات بالمرموز الشفهي والمشهد المرئي البسيط في شكله وأدواته، العميق في مغزاه ومعانيه، ونظرا لمحدودية الامكانيات يتدبر أعضاء الفرقة أمورهم بالاعتماد على مواردهم الذاتية وإبداعاتهم الفكرية، لأجله عرض التقديم بعد عدة حصص من التمرن، كان يقتصر على بساطة ديكور خشبة المسرح  الذي لا يخلو من لازمة عناصر أربعة : اللونين الأخضر والأحمر وجريد النخيل وصورة السلطان محمد بن يوسف، مع التركيز على ما هو ضروري للمشاهد التشخيصية في اللباس، وتقمص الأدوار التمثيلية كما يجب لإبلاغ المغزى وتحقيق هدف الرسالة: تربية الشباب وبناء المجتمع على قيم والأسس الوطنية.

مجموعة مسرح الأمل كان من أعضائها من هم بمثابة أركان يعوّل على عطاء اتهم وكفاءتهم الشخصية، الحاج أحمد اولعربي لمين تاجر جملة ميسور عضو الغرفة المختلطة بأكادير، يصنف ضمن مقدمة أعيان تارودانت بذكر جريدة "صوت الرابطة" عدد 29 ابريل 1953، أصله من توفلعزت مدشر الغزلان البرية واشجار اللوز، ذكر لي شخصان أن وفدا حكوميا رفيع المستوى قدم من الرباط لتارودانت نزلوا في ضيافته، واستقبلهم في قبة زينت جدرانها بزليج زخرفة الودع التقليدي مستورد من الصين (أشك أن يوجد مثيلا له بالمغرب وقتئذ! وكيف حصل عليه الشيخ أولامين؟ وقد عاينته أثناء عملية هدم المنزل نهاية التسعينات وتأسفت بحرقة...) قبل وصول الوفد أحضر الشيخ قناطير اللوز الطري، جاءت خدم العائلة بمهاريس ضخمة لسحق اللوز، بعد استخلاص الحليب ترمى البقايا، يضاف لحليب اللوز مقطر الزهر والقرفة والمسكة الحرة، يخلط الكل ويحفظ في صطول معدن بيضاء بغطائها، احضرت الغوارف-جمع غُرّف- ليشرب الضيوف عوض سقيهم بكؤوس البلار، لحظة انصرافهم لم يخف احد الزوار اعجابه بترتيبات الاستقبال والضيافة الرودانية، وانبهاره ان توجد قبة تحفة كتلك في عمق حي ضيق بسيط/الرحبة القديمة، تخفي جانبا تاريخيا من أسرار المدينة.

الرجل الثاني في مجموعة مسرح الأمل عبد الله بن محمد، قال عنه د.مصطفى المسلوتي في صدر العمود الأول من جريدة العلم عدد 19416 بتاريخ 17/7/2003 " انه أقل إخوته حظا في التعليم، لكنه كان نابغة يتقن جملة من الصنائع، ساهم في الحركة الثقافية والجمعوية في مدينة تارودانت مند أواخر الأربعينات الى فجر الاستقلال، حيث قاد الكشفية الحسنية في عز ازدهارها، واشتغل بالمسرح عندما كان واجهة للكفاح الوطني يكتب ويوزع الأدوار ويقوم بالإخراج ولازال صدى مسرحياته يردده كثير من الناس، كما اشتغل بالسينما في وقت مبكر يصور ويحمض الأفلام ويعرضها وله فيها عدة محاولات، ويتقن كثيرا من الحرف مثل الكهرباء والنقش على الجبص والفلاحة بأنواعها" ازداد 1934، أول كهربائي في تارودانت بشهادة تلميذه العربي بوهدي - أطال الله عمره- ، فضول المعرفة التقنية دفع به لاقتحام المجهول الخطير من أجل التوصل لابتكار الدورة الكهربائية المغلقة داخل إطار النجمة الخماسية، ثُم طلى المصابيح بالأحمر والأخضر وتبتهم عليها، أملا في تحسين نجمة العلم الوطني وإضفاء عنصر التجديد على عروض المشاهد المسرحية. أسند له تنسيق ملابس العروض المسرحية لموهبته في ابداع الأفكار بسرعة، في أحد عروض التمرن لتقمص دور شيخ، لبس المعني بالأداء العمامة والسلهام وأمسك العكازة، فلاحظ أعضاء الفرقة أن ملامح الوجه وهي الأهم لم تخفي عمر الممثل الشاب، فارتمى في حينه عبد الله بن مجمد الى "هيدورة" وقص منها ما يكفي لصنع لحية بيضاء لشيخ طاعن، أول من وقف فوق الخشبة وهو شاب في العشرين من العمر بلباس عصري وعوّض الطربوش الأحمر بربطة عنق أرستقراطية- الفراشة، فكرة لا تخلو من دمج التوجه السلفي المشرقي العصري والغربي الحداثي كما يؤمن به قطبي التنظير السياسي المركزي داخل حزب الاستقلال.

أوردت بعضا من سيرة رجلين فقط، لأوضح أن الانتماء الحزبي في تارودانت فجر الاستقلال، كان أساسه بدل المال بسخاء وعطاء أفكار بذكاء، وأن الأشخاص مشرفين أو مسيرين في عز شبابهم ليسوا معدمين، غير هذين العنصرين البارزتين داخل فرقة مسرح الأمل التابعة للشبيبة الاستقلالية، بقيت اسماء أخرى نذكر عبد الواحد الحمري، وحسن حرب، هاجر لاحقا الى الديار الفرنسية وعمل موظفا بإحدى القنصليات مكلفا بشؤون الأحوال الشخصية، و الطوغري، وابراهيم بورار ... رحم الله الجميع، من الابداعات المسرحية المنتجة محليا "الفاس فراس" و"المْعْلّم مرزوق والعفريت" ...

من بين ما كان يعتمده فرع حزب الاستقلال بتارودانت في تربية وتكوين شبيبته، ما يكتبه المنظر السياسي الوطني الاستقلالي الشهيد المهدي بن بركة، رجل مبادئ وطنية سامية، وحماسة ذكية في تمرير الخطابات، يخطب في الجماهير الشعبية بإيجاز دقيق، ويكتب لهم باقتضاب شديد، مستدلا بالقرائن المادية الحالية، والبراهين التوقعية الآتية، مدركا تمام الادراك أنه يتوجه الى جماهير شعبية أغلبيتها الساحقة بنسبة 90% تعاني الأمية الأبجدية والمعرفية، لذلك يَلقى كلامه على الدوام آدانا صاغية، وأفئدة واعية بمسؤولياتها الآنية والآمال المستقبلية المعقودة عليها لبناء مجد الوطن، الشهيد بن بركة تميز بمجموعة خاصيات فكرية ثقافية علمية حماسية، اذا خطب في جماهير الدار البيضاء، يعلم أن حماسته سيصل صداها ويبلغ دماها سوس جنوبا ووجدة شرقا، ما جعل بعض من حضروا محاضراته يصنّف وصاياه الوطنية في الدرجة الثانية بعد التوصيات التي حملها خطاب طنجة التاريخي للسلطان محمد بن يوسف.

المنظر الحزبي الآخر هو الزعيم الاستقلالي علال الفاسي، غير أنه كان يكتب بالأساس لشريحة محدودة من المجتمع المغربي أي النخبة العالمة المُسيّرة التي يقود عدد من عناصرها النضال السياسي وتمسك بذلك بوصلة التوجه الوطني، ليبقى النضال الفدائي بالروح والدم للطرف الآخر، فبرز بذلك فرق التفكير والتوجه السياسي بين المنظرين الاستقلاليين، واحد يؤمن ومتشبث بالسلفية العربية والثاني مقتنع بالحداثة الثورية الغربية...

هذين المنظرين الاستقلاليين لم تخل جل النصوص المسرحية المغربية من أفكارهما، المسرح المغربي وقتئذ ما يزال في مرحلة ارهاصات البداية، يتعذر معها اعتماد نصوص روائية عربية أو غربية مترجمة، لذا المسرحيات كان يؤلفها كاتب يدعى محمد الدغمي – تعدر تحديد هويته- لكن يمكن تحديد شخصيته الثقافية والفكرية ودرجة اطلاعه واتساع أفق خياله من خلال نص روايتين هي بمثابة بقايا يتيمة من زمن الحماسة الوطنية والتطلع لمغرب مشرق، توزع النصوص المسرحية مرقونة بالآلة الكاتبة في نسخة واحدة على فروع مكاتب حزب الاستقلال المنتشرة عبر ربوع الوطن، ليتم بعدها النسخ باليد وتوزيعها وهو الأغلب لسهولة العملية، كما أن مكاتب الفروع لم تكن تتوفر جلها على الآلة الراقنة، وإن وجدت – حالة تارودانت- فتخصص للأمور السياسية الحربية كأولوية تفاديا لضغط الرقن وتعطل الآلة أو تآكل شريط الألياف الحبرية، وبذلك ظل مكتب الحزب بتارودانت وخلفه الشبيبة الاستقلالية ومجموع الخلايا المنبثقة عن الفرع، مسرح الأمل والكشفية الحسنية والعصبة المغربية للتربية الأساسية ومحاربة الأمية، من بين مكاتب الفروع الوطنية القليلة التي كانت اللجنة التنفيذية المركزية لحزب الاستقلال بالمغرب، نوهت كتابة غير ما مرة بالمجهودات البناءة التي يقوم بها الفرع المحلي من أجل تأطير الشباب الروداني وكثافة منخرطيه الملتزمين بمضمون نشيد الحزب، وفي كتاب خاص أشادت فيه بتوجه الفرع الاقليمي بتارودانت لأنشطة تربوية متقدمة واعدة هادفة وهي الكشفية الحسنية والمسرح ومحاربة الأمية الأبجدية –الكتابة والقراءة- والأمية المعرفية – التنظيم الحرفي- ، فيما عدد كبير من فروع الحزب اهتمت أكثر بجوانب التحسيس والتوعية وفي مرتبة ثانية الرياضة البدنية؛ هذه التنويهات كانت تثير غيرة اعضاء مكتب فرع مدينة قريبة ولم يخفي مفتش الحزب بالناحية – اقليم اكادير وطرفاية- تعاطفه الزائد معهم، وكان لذلك لاحقا نتائج سلبية مستقبلا على مسار الحياة المهنية لكاتب الفرع المحلي بتارودانت الاستقلالي اسماعيل بن محمد ، رجل متعدد المشارب الثقافية والفكرية، سابق لزمنه بأميال، هو الذي كان يحدوه أمل كبير لطي المسافات بشبيبة الحزب التي ظل يُعوّل عليها كقاعدة جماعية عريضة يسهل تأهيلها فقط يجب تأطيرها لبناء مستقبل سوس ومجد الوطن على غرار ما قامت به جمعية علماء سوس، لذلك ظل يدعم عبد الله بن محمد مؤسس الكشفية الحسنية وعضو فرقة مسرح الأمل في آن، لم يكن قط الجمع بين الانتماءين ليطرح مشكلا تنظيميا في وسط الشبيبة، لأن الهمّ والأمل أكبر من أن يستهلك الوقت ويستنزف العمر وقتئذ بين الشباب الروداني في مناقشتها، أيضا الحلم بغد أفضل والتطلع الى المستقبل، يحتم النظر بعيدا الى الأمام عوض تحت الكعب وأسفل الأقدام، الجميع مقيد وملتزم بمبدأ أخلاقي تربوي "وأمرهم شورى بينهم" من دون تبنيه كشعار ولا حتى الافصاح عنه جهارا.

في فترة ما، خرجت فرقة الأمل بمسرحية حماسية جديدة تخليدا لذكرى وطنية مجيدة، ليوم كامل بحث أعضاء الفرقة عن ترخيص اداري دون جدوى للقيام بالعرض المسرحي في ساحة عمومية للجمهور الروداني ، فجرى في الكواليس تنسيق تشاوري سري بين كاتب فرع حزب الاستقلال عضو اللجنة الثقافية بالمعهد الاسلامي، ومدير هذا الأخير كي يسمح للفرقة بتقديم العرض داخل رحاب ساحة المعهد الاسلامي قبالة المدخل، فدخلت الفرقة ومعها جمهورها، مدت الحصائر طولا وسويت عرضا، طال انتظار انتزاع الترخيص حتى بدأ الظلام يرخي سدوله، انتشر خبر القرار التعسفي بسرعة في المدينة فاستهجنه كل من سمع به، لأن المغاربة لم يخرجوا من حجر حماية، ليسقطوا في حجر آخر وفخ وصاية؛ عزم الجمهور على الاعتصام والمبيت في العراء كاحتجاج على التعسف وشطط السلطة الادارية المغربية الفتية، فهبت زمرة نساء تارودانت كعادتهن زمن المقاومة الوطنية متسترات تحت الازارات أوالحايك، بين من أعدت بسرعة صحن خبز الفراح مسقي بالدهن، ومن أحضرت لاحقا قصعة كسكس عشاء للمعتصمين، ومن جاءت متأخرة يصحبها في الطريق طفل وفي يسارها كساء غطاء المبيت، مبادرات نسوية رودانية ذكية ساهمت في تهدئة التوتر العصبي، تحول اثرها الاحتجاج الى نزاهة في الهواء الطلق،" الناس فرشات كسيها والرجال ما كلسات عليها " يقول الراوي، آخر المطاف لم تجد السلطة بدا من منح الترخيص، كان أول عرض يتم تقديمه على مستوى ارضية موحدة بين الممثلين والجمهور فوق الحُصُر من دون خشبة على غرار حلقات الحكواتيين الشعبيين، جرى تقديمه في وقت متأخر من الليل على أضواء الشموع بدل الكهرباء، ايحاء لم يخل من معنى بليغ قوي لمن رفضوا منح الترخيص مند الصباح، عرض مسرحي كانت له تبعات وتداعيات تم تضخيمها وتأويلها سياسيا، وكان من دفع ثمنها وغيرها غاليا، في مقدمتهم عمر بن ابراهيم مدير المعهد واسماعيل بن محمد عضو اللجنة الثقافية به وفي نفس الوقت كاتب فرع الحزب، بشكل اقل لعدم ارتباطهم بالوظيفة العمومية محمد بن محمد مسؤول جمع الأعشار لتموين الداخلية  بالمعهد رئيس الفرع، وتضييق الخناق على عبد الله بن محمد عضو شبيبة الحزب و"دينامو" العمل والأفكار داخل فرقة مسرح الأمل والكشفية الحسنية، من هنا بدأ تقزيم أنشطة فرقة الأمل والتضييق عليها، ولم يلبت أعضائها أن تخلو بعدما ظهر بوجه مكشوف التوجه الجديد للسلطة الاقليمية الجديدة، بمجيء العامل محمد المكي الناصري العالم الفقيه والمنظر السلفي، الذي قطع كليا مع طريقة تسيير سلفيه العاملين الصفريوي وبنعيسى، حيثيات وتبعات التعيين سجلها للتاريخ المرحوم عمر الساحلي في كتاب "المعهد الاسلامي والمدارس العتيقة بسوس" ج1 ط 1985. شكل ذلك منعطف تاريخي تاه إثره حلم البداية، وضاع الأمل والغاية، وتبخر هدف النهاية الذي ظلت مجموعة مسرح الأمل تحمله كهمّ واشتغلت عليه لسنوات لتكريسه كتربية وطنية عنوانها البارز "المسؤولية".




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة