أضيف في 13 أكتوبر 2019 الساعة 23:36


الفُرَص المؤجلة في رواية « أحلام مؤجلة » لعبد السلام بزيد


بقلم -  المصطفى السهلي  

تَـبْـيـيـن:

لا يروم هذا المكتوب أن يكون دراسة نقدية للمتن المقروء؛ لأنه لا يزعم التقيد بأدوات منهجية صارمة، ولا توظيف نظريات نقدية مشهود لها بالريادة والنجاعة في دراسة السرديات. ولكنه يتوخى أن يقرِّب العمل من القارئ، ويضع بين يديه جملة من الملاحظات، والإشارات التي يمكن أن تساعده على قراءة فعالة وناجعة لهذه الرواية، وأن يقف منها على مسافة تسمح له بالتحليل الموضوعي، والنقد البناء... وسنجتاز عتبات النص، التي تحتاج إلى وقفة خاصة، إلى المتن مباشرة...

مفاصل الرواية:

من يقرأ رواية "أحلام مؤجلة"*، للأستاذ عبد السلام بزيد، سيجد نفسه أمام أربعة مسارات، عليها مدار الأحداث... مسارات تتقاطع أحيانا، وتتباعد أحايين أخرى... كل مسار يخصُّ شخصية من الشخصيات الرئيسة التي صنعت الحدث، أو شاركت فيه، أو تأثرت به، أو أثرت فيه...

المسار الأول: مسار عيسى:

هو خريج جامعة، عانى من البطالة، فعاد إلى قريته، حيث يعيش غربة بين أهلها، بسبب تعاليه عنهم، وابتعاده عن شؤونهم، وعدم اختلاطه بهم، نتيجة اصطداماته الكثيرة معهم، حتى باتوا يصفونه بالمتكبر، ويصفهم بالجهال... صار يكتفي بمراقبة ما يجري من غرفته العلوية، مكتفيا بانتظار مرور "البزناس" الذي يزوده بما يطلبه من مخدرات... يعيش عائلا على أمه الأرملة، التي باعت كل ممتلكاتها من أجل تأمين تعليمه، وتتحسر على وضعه بعد حصوله على الإجازة، وملازمته البيت عاطلا عن العمل...

المسار الثاني: مسار سمية:

نشأت سميّة يتيمة الأب، في القرية التي يعيش فيها عيسى... تخلت عن دراستها بعد تزوّج أمها برجل فظ غليظ الطباع، أذاقها ألوانا من سوء المعاملة، فاضطُرّت لمغادرة القرية إلى المدينة... جمالها الفائق كان يلفت إليها الأنظار... عملت في مقهى الحاج، فأنعشته، واستطاعت أن تجلب إليه زبائن كثيرين، ما جعل الحاج يُسَرُّ لذلك، ويتشبث بها في مقهاه، ويعاملها معاملة خاصة...

المسار الثالث: مسار الخريج الجامعي الجديد:

هو جار عيسى في القرية... ورّطه هذا الأخير في التعاطي للمخدرات... وكان يستهزئ به، وبانضمامه لقافلة المجازين المعطلين... أدمن المخدرات حتى كادت تودي بحياته... بعد شفائه من أزمة حادة نتيجة جرعة زائدة منها، قرر الرحيل إلى العاصمة، بحثا عن عمل... وبالمصادفة انضم إلى صفوف المعطلين المتظاهرين أمام البرلمان... دهسته سيارة شرطة في زحمة المظاهرات، فمات...

المسار الرابع: مسار سحتوت "البزناس":

شاب من أبناء قرية عيسى... انحرف بسبب انفصال والديه... أصبح المموّن الرسمي لشباب القرية بالمخدرات... بسبب الجرعة الزائدة التي أدخلت الخريج الجامعي الجديد إلى المستشفى في حالة غيبوبة، اهتدى رجال الدرك إلى سحتوت... حُكِم عليه بالسجن أربع سنوات... رفيقه في الزنزانة كان سببا في توبته، وندمه على انحرافه، وسلوكه ذلك المسلك... تأثير رفيقه حوّله إلى شاب صالح، حفظ أجزاء من القرآن... وبعد انقضاء مدة السجن، عاد إلى قريته، فعمل في الفلاحة وتربية المواشي، وأصبح مشرفا على مسجد القرية...

نماذج أربعة لشباب قرويين، بعضهم وصل في تعليمه إلى المستوى الجامعي، وعانى من أزمة البطالة، والبعض الآخر كان ضحية أوضاع اجتماعية، انتهت به إما إلى الانحراف، أو الى الهجرة من القرية إلى المدينة... فلماذا اختار الكاتب أن يضفي على الذكور في روايته صورة سلبية، بينما خص الأنثى بالنموذج الإيجابي، الذي لم يستسلم لواقعه، بل تحداه، واستطاع أن يفرض مكانته في مجتمع لا يرحم الضعيف، ولا تأخذه بالمرأة ذرة رحمة؟ هل هو احتفاء بالمرأة، وتقدير لدورها في المجتمع، وفي الحياة عموما؟ ولماذا اختار لذلك نموذجا غير متعلم، وكأن المرأة قدَرُها أن تظل دائما أمية، وجاهلة؟ وهل لغياب الأب في حياة كل من عيسى، والخريج الجامعي الجديد، وسحتوت، وسمية، دلالة ذات صلة بذلك؟

سمية: نموذج إيجابي:

لَئِن استطاعت سمية أن تحصّن نفسها، بعد هجرتها إلى المدينة، على الرغم من إعجاب الكثيرين بها، إلا أنها سقطت في الفاحشة بسهولة غريبة، عند أول زيارة لعيسى إليها في مسكنها... كيف استسلمت له بتلك السهولة في أول لقاء؟ وكيف قبلت أن تستضيفه في بيتها، حتى وإن كان ابن قريتها؟ ولماذا اطمأنت إليه، ولم يسبق لهما أن تعارفا عن قرب، سواء في القرية، أو بعد هجرتها إلى المدينة؟ هل يعود ذلك إلى سذاجتها، وقلة خبرتها بالحياة، وبالناس، أم إلى قلة وعيها، وضعف مستواها التعليمي؟ وعلى الرغم من هذه الزلة التي كادت تعصف بحياتها، إلا أن صحوة ضمير عيسى أنقذتها من الفضيحة، ومن اضطهاد المجتمع لها...

سمية، بطيبتها، وجديتها تمكنت من أن تجد لها موطئ قدم في مجتمعها، باعتبارها امرأة عاملة، كادحة، تساهم، على قدر استطاعتها، في دورة الاقتصاد، ولم تبقَ عائلة على غيرها، تنتظر اللقمة من الآخر، أو تسقط في براثن الرذيلة والدعارة، بل كانت تأكل لقمتها بعرق جبينها، وظلت تحافظ على شرفها، حتى بعد أن طالته لوثة من ابن قريتها المتعلم، والمفروض فيه أن يصون عرضها، ويحميها من الذين يطمعون فيها... استطاعت أن تكسب عطف الحاج، واحترام الزبناء، وإعجابهم بخفتها، وحيويتها وهي تقدم إليهم طلباتهم، وتلبيها ببشاشة ولطف... واستطاعت كذلك أن تُخرِج عيسى من سلبيته وانهزامه، إلى الفعل والعمل، وتَحمُّل المسؤولية...

عيسى والمثقف العضوي:

كان عيسى قبل ذلك مثالا للشاب المتعلم، الذي أصابه الإحباط، بعدما فشل في العثور على وظيفة تناسب شهادته... دفعته سلبيته وشعوره بالإحباط إلى البحث عن ملاذ، يُغرق فيه تلك المشاعر السلبية... فوقع فريسة سهلة في يد سحتوت، الذي حوّله إلى مُدمِن على المخدرات، ومروّج لها، من خلال توريط جاره الخريج الجامعي الجديد بدوره في هذه الآفة... هذا الوضع أزّم علاقاته بالقرية وشبابها، وحتى علاقته بأمه يطبعُها الكثير من البرود، فيختصر الحديث معها، حتى أضحت تفضل محادثة ما تبقى في حوزتها من حيوانات...

لم يبذل عيسى أي مجهود لتغيير هذا الوضع، بل تعوّد عليه، واستسلم له، فعاش في برجه العاجي، يراقب حياة القرية من أعلى، يتكئ على غيره، لا يبادر، ولا يحاول... ماذا فعل ليحقق أحلامه؟ وما هي تلك الأحلام؟ لا يعلم القارئ عنها شيئا؛ لأن عيسى لم يُفْصِح عنها، ولم يعدِّدْها، أو يحدِّدْ نوعها... حديثه عنها مجرد كلام عام، لا يشفي غليل القارئ الذي ظل أفق انتظاره مرتبطا بهذه الأحلام التي نعَتها العنوان بالمؤجلة... ورد في الصفحة 28 من الرواية: "حين يستلقي عيسى على ظهره في غرفته العُلوية يتأمل سقفها، يَعُدُّ أخشابها وزواياها. وحين يُنهي تأمله بحركة عابثة في الهواء، تنهار كل تلك الأحلام الوردية التي طالما راودته طوال كل تلك السنين الجامعية المفعمة بالحيوية والمغامرات والحلقات والنضال مع الرفاق ذوي نفس التوجه إلى حد الهوس." بمَ كان يحلم؟ وماذا كان ينتظر؟ وما الأحلام الوردية التي انهارت؟ لم يَرِدْ على امتداد صفحات الرواية ما يفصِّلها، أو يحيل عليها، أو يلمِّح إليها... حتى بات من المشروع، لدى القارئ، الاعتقاد بأن سلبية عيسى، واتكاليته مردُّهما إلى ضبابية هذه الأحلام، وعدم وضوحها في تصوره... فلو كان له حلم واحد محدد ومعروف، لبذل في سبيل تحقيقه كل ما يملك من جهد وطاقة... إذ لا عمل دون وجود الحافز، ودون تحديد الهدف والغاية...

ولذلك بعد أن ترك عيسى القرية، التحق بسمية، فعاش في كنفها، وداخِلَ بيتها، تتولى الإنفاق عليه، دون أدنى شعور بالخجل من وضعه ذاك... وحتى عندما عرض عليه الحاج أن يَخلُفه في الإشراف على المقهى، بسبب شعوره بالتعب، ظل عيسى يتردّد، ولم يقبل ذلك العرض إلا بإيعاز من سمية... ثم أصبح، هو وسمية، بعد زواجهما، المالكيْن لذلك المقهى، ولممتلكات الحاج برمّتها، بعد أن وهبهما إياها، لأنهما عوّضاه عن الذرية التي حُرِم منها...

لم يكن هذا حلما من أحلام عيسى، ولا خطر يوما بباله، لكنها فرصة ساقها إليه القدر، وهيّأتها له سمية، بمبادرتها، وسعيها، وحركتها الدؤوبة، وإخلاصها في العمل، وحظوتها بحب الحاج وحدبه عليها... فكأنما هي فُرَص مؤجلة، أصبحت مواتية، فتم انتهازها، وأخرجت عيسى من جموده، ومنحته دورا في الحياة، بعد أن كان يحيا على هامشها...

هذه الصورة التي تقدمها الرواية عن عيسى، الشخصية المحورية، لا تُشرِّف الشباب المغربي، فهي هنا تُلصِق به كل الصفات السلبية، والسلوكات الدنيئة، من انتهازية، وانحراف، واتكالية، وانتظارية، وأنانية، وجمود، واستغلال جنسي، وترفّعٍ عن الواقع، واستعلاء على الأهل والأصحاب، واستهزاء بالأقران... فهو على الرغم من كونه خرّيج جامعة، وحاملا لشهادة عليا، فهو بعيد كل البعد عن مفهوم المثقف العضوي، كما حدده كَرامشي... ذلك المثقف المرتبط عضويا بطبقته الاجتماعية، والملتحم بالجماهير، والمدافع عن مصالحها وتطلعاتها، والمطوِّر لفكرها وإيديولوجيتها، والحامل لمشروع تغيير الأوضاع نحو الأفضل... إنه النموذج المفتقَد في الرواية...

الخريج الجامعي الجديد: شهيد بالمصادفة:

ولئن كان الخريج الجامعي الجديد يحمل بذرة لهذا المثقف، إلا أن تورطه في إدمان المخدرات، وسلوكه مسلك النضال مع الخريجين الآخرين، لا عن قناعة وسبق إصرار، بل عن طريق المصادفة، جعلاه محدود النجاعة والفعالية، لينتهي مصيره تحت عجلات سيارة طائشة للشرطة... نهاية مفجعة، قُيِّدت ضد مجهول، والضحية نفسها كائن مجهول، ما دام الراوي لم يخصَّه باسم كغيره من شخوص الرواية، بل ظل يَسِمُهُ بوصف "الخريج الجامعي الجديد"...

سحتوت: التحوّل الكبير:

ويمثل سحتوت حالة أخرى من حالات الشباب الذي دفع غاليًا ثمن التفكك العائلي، فأصبح مروِّجا للحشيش والمخدرات في القرية، وطبع جلده بطابع كبار المجرمين، من خلال الوشوم التي كان يفخر بها، ويحرص على كشفها أمام الملأ، قبل أن تصبح عقدة ترهقه، ويودّ بكل السبل التخلص منها، وإزالتها، من جلده... وكان ضروريا أن يمر من السجن، ليُغَيِّر سلوكه ونظرته إلى الحياة... رفيقه في الزنزانة، الذي كان متديِّنا، أفلح في التأثير عليه، وتحوُّله بنسبة مائة وستين درجة، فأصبح بعد مغادرة السجن ربَّ أسرة، ينشغل بالفلاحة، ويُشرف على شؤون المسجد في القرية... وكأن الرواية، بذلك، تشدِّد على أن الدين يمكن أن يكون مَدخلا من مداخل إصلاح الشباب، وتقويم سلوكاتهم، وحملهم على التشبُّع بالقيم الإيجابية، والانخراط في حياة المجتمع، والإسهام في بنائه على أسس سليمة...

في بنية الرواية:

اعتمد الكاتب في سرد وقائع هذه الرواية الطريقة الخطية، التي تعتمد التسلسل الزمني لوقوع الأحداث وتواليها، مستعملا تقنية الرؤية من خلف، التي يكون فيها الراوي عارفا بكل الأحداث وتفاصيلها، مطلعا حتى على دواخل الشخصيات، ومشاعرها، وتطلعاتها... واستعمل ضمير الغائب، الذي يناسب، في الغالب هاتين الطريقتين، فجاء الحكي مسترسلا، لا تتداخل فيه الأزمنة، ولا تتقاطع فيه الأحداث، ولا تتنوع فيه الضمائر، ولا يحضر الاسترجاع إلا في بعض المقاطع النادرة جدا... وتدور معظم الأحداث في أماكن مغلقة ( كالبيت، والمشفى، والمقهى، والسجن... )، بينما يبقى حضور الفضاءات المفتوحة باهتا، فتَراجَعَ، جرّاءَ ذلك، الوصف، الذي يفتح أمام القارئ آفاق التخييل، ويجعله قارئا فاعلا، وليس مجرّد منفعل فحسب... وحتى شخصيات الرواية لم تَنَلْ حظها من وصف الكاتب، فلا يكاد القارئ يعرف شيئا عن الصفات الجسدية لكل من عيسى، والخريج الجامعي الجديد، وسحتوت، والحاج... باستثناء سمية التي أشار الكاتب أكثر من مرة إلى جمالها الفائق، دون تفصيل خصائصه ومميزاته... وفي مقابل هذا الغياب الواضح لوصف الشخوص والأمكنة، يحضر السرد بشكل لافت في الرواية، فيكتسح صفحاتها اكتساحا، ويبتلع حتى تقنية الحوار، التي لم تُوظَّف إلا في حالات نادرة، على الرغم من أهميتها في إبراز خصائص كامنة للمتحاورين، قد لا يستطيع السرد وحده الكشف عنها...

أما من حيث الهيكلة، فقد قسم الكاتب رواية "أحلام مؤجّلة" إلى ثلاثة وثلاثين فصلا، يسمي كلا منها حلما، متبوعا برقمه التسلسلي... ولعلّ ما يدعو إلى التساؤل، إصرار الكاتب على تسمية كل فصل حلما... فهل يحتوي، فعلا، كل فصل على حلم معين؟ إن هذه التسمية توهم القارئ بوجود هذا العدد من الأحلام، التي ستكون مؤجلة، كما ورد في العنوان... لكن هذه الفصول، في واقع الأمر، لا تسعفه بما يتوقعه... فلو اكتفى الكاتب بوضع أرقام لهذه الفصول فقط لَما تَغيَّر شيء بالنسبة للقارئ، ولَبَدا العمل، على العكس، منسجما، لا يُشوِّش على القارئ بتنقيبه عن الحلم في كل فصل...

على سبيل الختم:

إن رواية "أحلام مؤجلة" تنحو، في بنائها، منحى يسير في ركْب الروايات الكلاسيكية المعروفة، سواء في أدبنا العربي، أو في غيره من الآداب العالمية، دون أن يعني ذلك سقوطها في النمطية... فهي أول عمل سردي يُخْرِجُه الكاتب إلى النور، ويَدْفَعُ به إلى الجمهور. ولا شك أن الأعمال القادمة  التي ننتظرها من الكاتب، ستتخلص من كثير من القيود الكلاسيكية للرواية، لتنخرط في إطار الرواية الجديدة، التي انفتحت على الأجناس الأدبية الأخرى، واستفادت من تطور العلوم الإنسانية عموما، كما استفادت من دخول الإبداع، بدوره، عصر العولمة، وبروز الرواية الرقمية، والرواية المسموعة... وهي كلها عوامل من شأنها أن تدفع بالكتابة الروائية نحو مزيد من التطور والتجدد الدائبين...

{ إني معكم من المنتظرين }

  • " أحلام مؤجلة " _ رواية عبد السلام بزيد _ دار تيسراس للنشر والتوزيع _ الطبعة الأولى 2019  




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة