أضيف في 27 غشت 2019 الساعة 18:16


سوق : «ثلاثاء لمنابهة» العريقة - بإكودار شمال تارودانت ...


بقلم: عبدالكريم أضرضور

أسواق نابضة بالحياة، متلألئة تعجّ بالناس من كلّ حدب وصوب، معروفة بجودة سلعها وعراقة تقاليدها، لم يقتصر دورها قديما على المبادلات التجارية للبضائع والسلع، بل كان يمتد إلى تقريب العلاقات بين مكونات المجتمع المحلي، التي تدخل أطرافا في نسق السوق، وتعمل على تدعيم تماسك القبائل وتضامنها، فالسوق مركز جذب مهم للحركة التجارية، تشكّل العصب الأساسي في الاقتصاد المحلّي، موضع  يُجلبُ إليه المتاعُ والسِّلَعُ للبيع والابتياع، السوق في اللغة تؤنَّث وتذكَّر وهي الوسيلة الوحيدة التي توفر للقبائل ما تحتاج إليه في حياتها، ومن تم لا بد أن تضمن الأمن والسلام لهذه الأسواق وإلا فقدت مصدر حاجتها الملحة، ولعل سوق "الثلاثاء لمنابهة " بإكودار شمال تارودانت، أولى أسواق سوس الاقصى، سميت كذلك لأنه كثيرا ما تسمى السوق باليوم الذي تقام فيه، منذ إحداثها كانت معلما اجتماعيا تدور فيه لقاءات الود والمصالحة والتعارف والتقارب، ومركزاً إعلامياً مهما لأخبار الأمطار والحصاد، ناهيكم عن وظائف اجتماعية ترفيهية، وإدارية سياسية.

تعد هذه السوق، أهم مزار تجاري وسياحي ثابت يتربع بتاريخه الممتد عبر القرون وحركته الاقتصادية ونشاطه التقليدي وسط سهول بين جبال الاطلس، تقصده كافة أهالي قبائل رأس الواد بسوس العليا، وواد نفيس وقبيلة إجاناتن وأغبار شمالا ومن إداومسطوك وتالكجونت وقبائل اداوزداغ وايت سمك جوارا وبلاد اوناين ثم إرحالن والمنابهة عمقا واداوكماض وقبيلة اوزيون وايت حميد قبلة ، عرفت سوق "الثلاثاء لمنابهة "إقبال الزوار والأجانب وسكان تارودانت وهوارة المجاورتين، في فصل الصيف تكون فرصا لشراء القطع الفضية والقلائد، والحناء، مقصد للزوار والوفود العائلية، في موسم الإجازات، بيتاً للهدايا، والتذكارات التي يحرص الوافدين على اقتنائها، سوق تؤلف بين قرى كثيرة، وتجعل منها نسقا واحدا تشكل أساس وحدتها، أفنان سوق "ثلاثاء لمنابهة " يغمرها عشق متدفِّق من أعماق الهِضاب والجبال، تظلِّلها سُحُب تحمل في قلبها حنينا، شوقُ نفس الزائر ونظره طال في صبر لرؤية معانقة الأشجار لخاصرة تلال إكودار، تعد أشهر أسواق الجنوب المغربي، ذات روافد متعددة، يعود تاريخ إحداثها إلى حكم الدولة السعدية، عرف موضعها تغييرا في عهد الحسن الأول، وآستقر أمرها بالضفة الأخرى للوادي في عهد محمد بن يوسف، سوق تضاهي وتنافس "ثلاثاء ايمسكين " او انزكان، استقطابا وتداولا لنشاط حركتها التجارية!.

وتعتبر هذه السوق أهم مصدر للخبر والحدث، مما يجول ويصول بمناطق سوس خاصة والجنوب عامة، في فضاءاتها يتم تبادل السلع الرئيسية والحرفيات المتقنة، كما أسلفت فلا تكمن أهمية السوق في الجانب الاقتصادي فحسب بل أيضاً في القيمة الثقافية والاجتماعية العظيمة التي تمثلّها كلّ سوق بالنسبة للمجتمع، في أزقتها الضيقة التي يصدح فيها ضجيج لا يكنّ، تبرز  مهارات الحرفيين التقليديين التي اكتسبوها أباً عن جدّ وعلى مرّ الأجيال، هناك يجد الوافد نفسه أسير صخب المكان وعبقه وألوانه، مسحوراً بكلّ تلك المشاهد، على بُعد، قد يبدو الأمر فوضويًا، لكن مع كل خطوة داخل سوق "الثلاثاء لمنابهة" يتضح التوزيع شيئا فشيئا، للسوق تقسيماتها التي يعرفها الجميع، بين رحبة البهائم الخاصة بمختلف المواشي من أغنام ومعز وبقر وإبل بجانب قسم بيع الدجاج والحمام والارنب وعلى الجانبين سيارات نقل مختلفة الأحجام تنتظر أن يأتي أوان الانطلاق بعد أن تحمل ما يمكنها من مواشٍ، وفي نهاية هذه الرحبة يفترش الأرض باعة الأحبال والفؤوس والسكاكين وأدوات زراعية حادة وسلاسل حديدية، وادوات بدائية لا تكاد تعرض الا في رحاب هذه السوق، بين هذا القسم وذاك تدب الحركة بين باعة وتجار ووسطاء ومشترين، فضاءات أخرى  تباع فيها الخردوات التي لا تصلح إلا للقمامة في نظر من لا يعرف أسرارها، والمثير للإعجاب ما ترويه الروايات الشفوية عن محلات تباع فيها الكتب النادرة والمخطوطات والوثائق، وهناك من يدخل السوق كي يعثر على مثل هذه النوادر، يشتريها في غفلة ممن يجهل قيمتها العلمية والتاريخية!.

أقسام كثيرة تثير إعجاب الزائر، رحبة بيع الحبوب والبذور والقطاني يؤمها التجار من جميع المناطق، من أجل بيع منتوجاتهم الفلاحية، كما يقصدها تجار البيع بالتقسيط والمستهلكون، نشاط تراجع عنه المجتمع معتمدا على خبز المخبزات، فضلا عن انتشار محلات بيع الحبوب في الأحياء الشعبية، وفضاءات خاصة لباعة الحصير وسعف النخيل ، وأخرى لبيع الزرابي والحنابل والألبسة الصوفية وتقام في هذه السوق "دلالة" وهي عملية بيع وشراء عن طريق تقديم سعر  يزيد عن السعر المُحدّد مسبقاً من البائع وحتى الوصول إلى السعر الأعلى الذي لا يستطيع أحد ان يزيد عليه، أمام هذه الفضاءات كلها، جناح لبيع الرابوز وأواني خشبية للإستعمال المنزلي،

ومن عجائب ما تداولته الألسن أن لهذه السوق أعرافا وقوانين تواضع عليها القوم من تجار وحرفيين والناس أجمعين، منها محاصرة وإيقاف المتلبسين بالسرقة ومن اعترض سبيل المتسوقين، أحيانا مهاجمة المشتبه بهم أثناء تنفيذ عملياتهم الإجرامية بواسطة الأحجار والهراوات ومكاييل الموازين، سوق آرتجالية بسيطة، حياتها غير مرتبة تحمل ذكريات ومفاجآت سارة أو حزينة..

هنا لم يتدرب البائع على التعامل النمطي مع الزبون، والناس من مختلف الطبقات والثقافات، فائض من تاريخ وذكريات مع الأمكنة والمحلات والدكاكين .. باعة بسطاء، أروقة طبيعية وضجيج ومساومات فى البيع والشراء، محلات تجاور أخرى لإصلاح أجهزة معطلة من ساعات ومذاييع، مقاهي لإعداد الشاي المنعنع وأكلات "البيصارة " و " الكرعين " باختصار فوضى شيقة بعيدة عن كل تنظيم نمطي أو معلب مما تعرفه أسواق هذا الزمان.

عن هذه السوق يحكي المؤرخ المبدع الشيخ الأستاذ محمد المختار السوسي في رحلته عبر مختلف حواضر سوس وقراها البعيدة، قادما من اليغ إحدى قرى مدينة تزنيت، تبادرت الى الذهن شخصية هذا المؤرخ، حيث ما ذكر سيدي محمد المختار السوسي تناهى الى السمع كتاب "المعسول" و " سوس العالمة "، فهما صنوان يُعرف أحدهما بالآخر، وهذه اللمعة الشاخصة التي امتاز بها المؤرخ تتبدى في مؤلف أخر له بعنوان " خلال جزولة " ومن خلال جزئه الثالث من صفحته : 180 اقتبس ما يلي: " تلقينا بسيارة بعض الأحباء تحت زيتون " تاغلامت " فصمدنا بها إلى سوق " ثلاثاء لمنابهة " وقد مررنا على يسارنا " بعين اوكيدة " من "ارحالن " ثم جزنا مسيل الوادي الذي نزل من " أيت سمك " لأن ماء "تغلامت "، وكل ما يسامتها لا يأتيها إلا من الأطلس الكبير فرأيت سلسلات متوازية، فهذا الجبل الذي يوالي "راس الوادي " يسمى "بدرن " والثاني يسمى " بتازوكانت " .....وبين الأول والثاني منازل "أرك" من "أيت سمك "..." .




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة