أضيف في 21 يونيو 2017 الساعة 03:24


ذكرى وفاة بديع الزمان النورسي في العشر الاواخر من رمضان


بقلم - الاستاذ سعيد ارجدان

تحل في هذه الايام المباركة ذكرى وفاة الامام المجدد العلامة بديع الزمان النورسي في الخامس والعشرين من رمضان للسنة الهجرية 1379 الموافق ل 23 مارس 1960 ونقلت السلطات العسكرية الانقلابية رفاته بعد ذلك بحوالي 4 أشهر الى وجهة ظلت مجهولة حتى اليوم.

ويعتبر الفيلسوف الامام بديع الزمان سعيد النورسي من أعظم من اشتهر ذكره في الافاق من العلماء المسلمين المعاصرين ، ورغم أنه نشأ في بيئة كردية في الولايات الشرقية من الدولة العثمانية بعيدا عن المدنية الحديثة، الا أنه ملأ الدنيا وشغل الناس، وطار صيته في العالم الاسلامي وفي كثير من الدوائر الاستشراقية، فهو فيلسوف بالمعنى الحقيقي للكلمة، رغم أنه لم يتلقى تعليما نظاميا بل إن جل معارفه كانت محصلة تحصيله الشخصي بكيفية عصامية وغريبة، وهذا هو السبب الذي استحق به لقب بديع الزمان.

ولقد تعرض بديع الزمان لمضايقات كثيرة سواء أثناء فترة حكم السلطان عبد الحميد آخر خليفة من خلفاء الدولة العثمانية، أو بعد ذلك طيلة الفترة الجمهورية التي أعقبت إسقاط الخلافة وتولي كمال أتاتورك زمام الحكم ومباشرته لعملية استئصال العادات الاسلامية و تجفيف منابعها، وظلت المضايقات و الاعتقالات و الاتهامات متواترة ومتواترة بعد ذلك حتى بدت كأنها ملازمة لبديع الزمان سعيد النورسي أينما حل و ارتحل، بل إن المضايقات أبت إلا أن تلازمه حتى في قبره، وذلك عندما نبش قبره من قبل السلطات العسكرية التركية كما سبقت الاشارة.

وهذا المقال الوجيز محاولة لاستعراض بعض المرافعات التي ألقاها بديع الزمان سواء أمام المحاكم التركية أوفي مناسبات أخرى، والواقع أنه لولا المعاناة التي لازمت بديع الزمان النورسي والاضطهاد الذي رافقه طيلة حياته لما تمخض عن مثل هذه المرافعات ذات القيمة الفلسفية والحقوقية الرفيعة، وهذا هو السبب الذي من أجله كتب لرسائل النور التي قام بديع الزمان بكتابتها في فترات متقطعة هذا الذيوع والانتشار والقبول والانبهار، وهو يشير إلى ذلك بقوله

(إن اكثر أحداث حياتي، قد جرت خارجة عن طوق إقتداري وشعوري وتدبيـري، إذ اُعطيت لها سيرٌ معينٌ ووُجّهت وجهةً غريبةً لتنتج هذه الأنواع من الرسائل التي تخدم القرآن الحكيم. بل كأن حياتي العلمية جميعها بـمثابة مقدمات تمهيدية لبيان إعجاز القرآن  بـالكلمات)..

وهو يعتبر الغربة و العزلة التي فرضت عليه قهرا نوعا من الكرم الالهي الذي مكنه من التفرغ لكتابة رسائل النور، ويقول في ذلك

 (...حتى إنه في غضون هذه السنوات السبع من حياة النفي والاغتراب وعزلي عن الناس - دون سبب او مبـرر وبـما يخالف رغبتي - أمضي أيام حياتي في قرية نائية خلافاً لـمشربي وعازفاً عن كثير من الروابط الاجتماعية التي ألفتُها سابقاً.. كل ذلك ولّد لي قناعة تامة لا يداخلها شك من أنه تهيئة وتحضير لي للقيام بخدمة القرآن وحده، خدمة صافية لا شائبة فيها.... ).

ويذهب بديع الزمان إلى القول بأن هذه المضايقات التي تعرض لها جعلته يصرف النظر عن مطالعة الكتب ويتفرغ تفرغا تاما للقرآن، ويقول في ذلك

( بل إنني على قناعة تامة من أن المضايقات التي يضايقونني بها في أغلب الأوقات والعنت الذي أرزح تحته ظلماً، إنما هو لدفعي - بيد عناية خفية رحيمة - إلى حصر النظر في أسرار القرآن دون سواها. وعدم تشتيـت النظر وصرفه هنا وهناك. وعلى الرغم من أنني كنت مغرماً بالمطالعة، فقد وُهبتْ لروحي مجانبةً وإعراضاً عن أي كتاب آخر سوى القرآن الكريم.)

المرافعة الاولى// مرافعة بديع الزمان أثناء إحالته على الخبرة النفسية

عندما قدم بديع الزمان لمدينة اسطنبول تحدى جميع العلماء من جميع التخصصات لمناظرته و حجز غرفة بأحد الفنادق و علق عليها لافتة كتب عليه ( هنا يوجد جواب كل سؤال) و شارك في مناظرات كثيرة أفحم فيها جماعة العلماء، فاتهم بالجنون، وقال البعض ان هذا الرجل مجنون، لانه يعلم كل شئ! وسجلوا اسم بديع الزمان في سجل المجانين فألقوا به في مستشفى المجاذيب. وبعثوا من القصر طبيباً ليفحص قواه العقلية في المستشفى. ولكن  بديع الزمان تولى الدفاع عن نفسه قائلا

( أنني لست مصاباً بالمرض بل الأمة والبلاد كلها. وجئت لأداوي أمراضهم. فالمنطقة الشرقية هي هي مذ خلقها الله سبحانه، وأهلوها غارقون في مستنقع الجهل. وجئت إلى هنا املاً في إنقاذهم. ولكن عندما سعيت في هذا الأمر اُتهمت بالجنون. انه حقاً من عاشر المجانين يكون مجنوناً - فجئت استانبول واصبحت مجنوناً..)

ولما تم عرض بديع الزمان على الطبيب النفسي لإجراء الخبرة القضائية على قواه العقلية ألقى على مسامع الطبيب مرافعة طويلة في غاية الدقة والرصانة نورد بعضا من جوانبها، يقول في ذلك//

(أيها الطبيب المحترم! استمع أنت، فسأتكلم أنا. أعطيك دليلاً آخر على جنوني! وهو الجواب من دون سؤال! لاشك أنكم ترغبون في الاستماع إلى كلام مجنون غريب. إنني أطلب إجراء الكشف عليّ على صورة محاكمة، وليكن وجدانك هو الحكم. ومن العبث والفضول إلقاء درس في الطب إلى طبيب، ولكن واجب المريض أن يعينه في تشخيص العلة. فأرى من الضروري الاستماع اليّ كيلا يكذّبكم المستقبل)

( أنني لست مصاباً بالمرض بل الأمة والبلاد كلها. وجئت لأداوي أمراضهم. فالمنطقة الشرقية هي هي مذ خلقها الله سبحانه، وأهلوها غارقون في مستنقع الجهل. وجئت إلى هنا املاً في إنقاذهم. ولكن عندما سعيت في هذا الأمر اُتهمت بالجنون. انه حقاً من عاشر المجانين يكون مجنوناً - فجئت استانبول واصبحت مجنوناً..)

ولما تم عرض بديع الزمان على الطبيب النفسي لإجراء الخبرة القضائية على قواه العقلية ألقى على مسامع الطبيب مرافعة طويلة في غاية الدقة والرصانة نورد بعضا من جوانبها، يقول في ذلك//

(أيها الطبيب المحترم! استمع أنت، فسأتكلم أنا. أعطيك دليلاً آخر على جنوني! وهو الجواب من دون سؤال! لاشك أنكم ترغبون في الاستماع إلى كلام مجنون غريب. إنني أطلب إجراء الكشف عليّ على صورة محاكمة، وليكن وجدانك هو الحكم. ومن العبث والفضول إلقاء درس في الطب إلى طبيب، ولكن واجب المريض أن يعينه في تشخيص العلة. فأرى من الضروري الاستماع اليّ كيلا يكذّبكم المستقبل)

ثم يوضح بديع الزمان للخبير النفسي أنه لا يمكنه فحصه بالمعايير السائدة لدى ساكنة اسطنبول لأنه ترعرع في كردستان ونشأ في بيئة مختلفة قائلا//

(إني ترعرعت في جبال كردستان، فعليكم ان تزنوا أحوالي التي لا تروق لكم بميزان كردستـان لا بميزان استانبول الحضاري الأنيق، فلو وزنتم بميزانها فقد وضعتم اذاً سداً مانعاً أمامنا نحو منبع سعادتنا استانبول،  ويلزمكم سوق معظم الأكراد إلى مستشفى، ذلك لأن الأخلاق المفضـلة - في الأناضول - هي الجسارة، وعزة النفس، والثبات في الدين، وانطباق اللسـان على ما في القلب. بينما الظرافة والرقة وما شابهها من أمور المدنية تعدّ بالنسبة لهم مداهنة وتزلفاً.)

ويشير بديع الزمان إلى أنه غير معني باتباع العادات والاهتمامات السائدة بين الناس لأن له اهتماماته الخاصة قائلا

 (إن أحوالي وأخلاقي مخالفة للناس، كما هو الحال في ملابسي. فاتخذوا الأمر الواقع والحق محل النظر وموضع الاعتبار. ولا تتخذوا ما روّجه الزمان او العادات من أخلاق سيئة بتقليد الناس بعضهم بعضاً مقياساً لوزن الأمور.

إنني مسلم، ملتزم، ومكلّف بهذا الالتزام والوفاء به من حيث الإسلام. فعليّ ان أفكر فيما ينفع الأمة والدين والدولة ولا اقول ذلك القول الفاسد المميت: مالي وهذا.. فليفكر فيه غيري.)

ويثير بديع الزمان انتباه الخبير النفسي إلى أن من عادة الناس في كل العصور نعت من يخالفهم بالجنون و لو كان اشد ذكاء منهم قائلا

 (لقد أتى ومضى أشخاص نوادر، كل سبق زمانه، ولكن الناس حملوا أطوارهم على الجنون بادئ بدء، ثم على السحر والخوارق. ان التضاد الموجود بين هاتين النقطتـين إيماء واشارة إلى التضاد الموجود بين مدّعيات الذين حكموا عليّ بالجنون وأدلتهم. إذ قالوا بأفعالهم: إنه مجنون، لأنه يجيب على كل مسألة، ويحلّ كل معضلة! ان الذي يورد مثل هذا الدليل مجنون بلا شك!)

ويوضح بديع الزمان للخبير النفسي كيف أن طبيعة مزاجه الحاد واهتماماته الفكرية بشؤون الامة هي الاسباب التي تجعله دائم الغضب، يقول في ذلك

(إنه من الضروري ان يحتد ويغضب كل من له مزاج عصبي مثلي. لأن الذي يحمل فكراً رفيعاً - أي الحرية الشرعية - منذ خمس عشرة سنة، وأوشك ان يراه فعلاً، إذا به يرى نفسه على خطر وهلاك من حرمان رؤيته - بانقلاب عظيم - كيف لا يحتد ولا يغضب؟

ثم ان وزير الأمن أشد منى حدّة وغضباً فهو اكثر مني جنوناً إذن. علماً انه لا يسلم إلاّ واحد من ألف من الناس من هذا الجنون الموقت:

      فكل الناس مجنون ولكن           على قدر الهوى اختلف الجنون

فلئن كانت المداهنة والتملق والتزلف وفداء المصلحة العامة في سبيل المصـلحة الخاصة، تعدّ من مقتضى العقل.. فاشهدوا إني أقدم براءتي من هذا العقل، مفتخراً بالجنون الذي هو أشبه ما يكون بمرتبة من مراتب البراءة.)

و يختم بديع الزمان مرافعته كالتالي//

(والآن أظن ان لديكم شكاً في صحة عقلي بعد زوال الشبهة عن شعوري. ويمكن ان يزول ذلك الريب بأدنى محاكمة عقلية. إذ إن رجلاً من الأكراد الجاهلين الطليقين الأحرار، إن لم يكن صاحب وفاء لأمة راقية كالألماس، ولم يكن صاحب فكر رفيع، كيف يستطيع ان يستر حيلته و فكره الفاسد طوال هذا

الزمان مع تـميّزه عن الآخرين؟ إنني أعدّ الحيلة في ترك الحيل. فإذن قد شعر بقلبه وفاءً خالصاً صافياً يفوق الجميع حتى وجد نفسه في مثل هذه الأحوال.

وقد صدق الشاعر:

       وكم من عائب قولاً صحيحاً           وآفتُه من الفهم السقيم

بمعنى أن فهم أطبائنا هو فهم سقيم.. فهم مجانين بحكم تقاريرهم الطبية. وان وزير الأمن هو الآخر مجنون لشدة حدّته وغضبه

أيها الطبيب!

ان كنت طبياً حاذقاً فداو نفسك قبل ان تداويني

ويا أيها الناظرون إلى كلامي هذا! ان كان فيه ما يجرح شعوركم، او لا

تهضمه معدتكم الضعيفة، فاعذروني لأنني قلته في وقت الجنون حينما كنت بين جدران مستشفى المجاذيب... ولا شك ان تأثير المحيط أمر مسلّم به. لان  ديوانه را قلم نسيت بمعنى ان القلم رفع عن المجنون. فالأمي الجـاهل أي الحر، والكردي الذي لا يتقن التركية يمكن ان يبين مرامه بهذا القدر. والسلام)

وبانتهاء هذه المرافعة القيمة يضطر الخبير النفسي إلى إعداد تقريره متضمنا الاشارة التالية ( لا يوجد من هو أعقل من بديع الزمان إنه نادرة العالم).

والواقع أن صدى هذا التقرير وصل إلى المراكز العليا للدولة وعرض على الخليفة العثماني الذي حاول أن يعتذر لبديع الزمان النورسي بكيفية غير مباشرة عندما أوفد وزير الأمن ليقابل بديع الزمان و يخبره أن السلطان قرر أن يصرف له راتبا مدى الحياة كموظف دولة، فكانت هذه المحاورة بين الاثنين//

( وزير الأمن: السلطان يسلم عليك، كما أمر بصرف مرتّب شهري لك بملبغ ألف قرش وقال انه سيرتفع  إلى ثلاثين ليرة.

بديع الزمان: أنا لست متسول مرتّب وان بلغ ألف ليرة، فأنا لم آت إلى هنا الاّ من اجل أمتي وليس من أجل نفسي، ثم ان ما تحاولون تقديمه لي ليس الاّ أتاوة للسكوت

الوزير: أنت تردّ إرادة  السلطان، وهذه الإرادة لا تردّ.

بديع الزمان: إنني أردّها لكي يتكدر السلطان ويستدعيني، عند ذلك أجد الفرصة لقول الحق عنده

الوزير: ستكون العاقبة وخيمة

بديع الزمان: لو كانت نتيجتها إلقائي في البحر فان البحر سيكون لي قبراً واسعاً، وان نفّذ إعدامي فسأرقد في قلب الأمة. علماً بانني عندما حضرت إلى استانبول حضرتها وقد وضعت روحي على راحة كفي فافعلوا بي ما بدا لكم. وأنا أعني ما أقول، لأنني أريد تنبيه أبناء أمتي  وذلك خدمة للدولة التي انتسب إليها وليس من أجل جني مرتّب. ثم ان الخدمة التي يستطيع أداءها شخص مثلي هي تقديم النصيحة للأمة وللدولة، ولا قيمة لهذه النصيحة الاّ بحسن تأثيرها، ولا يحسن تأثيرها الاّ عندما تكون مخلصة خالية من شوائب الطمع، وهذه لا تكون الاّ عندما تكون دون مقابل وبعيدة عن المنافع الشخصية، لذا فإنني معذور عندما أرفض هذا المرتّب.

وزير الامن: ان اقتراحك بنشر المعارف والعلوم في كردستان هو الآن موضع دراسة في مجلس الوزراء.

بديع الزمان: إذن فلماذا أُجّل بحث المعارف واستُعجل في المرتّب؟ وعلى أي أساس تم هذا؟ لماذا تفضلون المنافع الشخصية على المنافع العامة ؟(

و الواقع أن بديع الزمان كان مثالا للعالم الزاهد الذي يرفض كل منحة أو وظيفة أو وسام من شأنه أن يحول دون استقلاليته الفكرية و جهره بما يراه حقا دون وجل، كما أن حالته الروحية كانت تتنافى مع السعي لنيل أية مطالب دنيوية و لو كانت مشروعة، و هذه الحالة كانت ملازمة له منذ طفولته، و هو يروي بنفسه كيف أنه لم يعرف السر في نفوره من قبول الهدايا من الناس الا بعد انقلابه الفكري الى سعيد الجديد و اهتمامه بنشر رسائل النور، يقول في ذلك

( على الرغم من أن سعيداً القديم فقير الحال منذ أيام طفولته، كما ان والده فقير الحال، فإن عدم قبوله الصدقات والهدايا من الآخرين، بل عدم استطاعته قبولها، إلا بمقابل، رغم حاجته الشديدة جدا، وعدم ذهاب سعيد قط في أي وقت من الأوقات لاخذ الأرزاق من الناس وعدم تسـلمه الزكاة من أحد - عن علم - كما كانت العادة جارية في كردستان، حيث كانت أرزاق طلاب العلم تدفع من بيوت الاهلين وتسد مصاريفهم من أموال الزكاة. أقول اني على قناعة تامة الآن من ان حكمة هذا الأمر هي:

عدم جعل رسائل النور - التي هي خدمة سامية خالصة للإيمان والآخرة - في آخر أيامي وسيلة لمغانم الدنيا، وعدم جعلها ذريعة لجرّ المنافع الشخصية.

فلأجل هذه الحكمة اُعطيتْ لي هذه الحالة، حالة النفور من تلك العادة المقبولة وتلك السجية غير المضرة، والهروب منها، وعدم فتح يد المسألة من الناس. فرضيتُ بالعيش الكفاف وشدة الفقر والضنك. وذلك لئلا يفسد الإخلاص الحقيقي الذي هو القوة الحقيقية لرسائل النور.

واشعر كذلك ان في هذا الأمر إشارة فيها مغزى، بأن هذه الحاجة هي التي تدفع أهل العلم إلى الانهماك بهموم العيش حتى يُغلبوا على أمرهم في الزمان القابل.)

و إذا رجعنا إلى بعض المقاطع التي لم نوردها من مرافعته أمام الخبير النفسي نلاحظ أنه يشير بالفعل إلى هذا المعنى، اي استغنائه عن المظاهر الدنيوية جملة و تفصيلا بما فيها مراعاة عادات اللباس السائدة آنذاك، يقول في ذلك//

 ( إنني أعلن بملابسي المخالفة للناس: إستغنائي عن المقاصد الدنيوية... واعتذاري عن عدم مراعـاتي للعادات الجارية في البلاد.. ومخالفة أحوالي وأطواري عن الناس.. وفطرية إنسانيتي بموافقة الظاهر والباطن.. ومحبة ملتي.

ثم ان المعنى الغريب لا بد ان يكون ضمن لفظ غريب ليلفت الأنظار.. ثم إنني أنصح بهذا الشكل الغريب، نصيحة فعلية لتشجيع المصنوعات المحلية.. وأشير به ايضاً إلى ميل التجدد الذي أشعر به في ذاتي و إلى تجدد الزمان في الوقت نفسه(

و بالاضافة إلى زهد و تعفف بديع الزمان عن كل مقصد دنيوي أو طمع مادي فإن خصلة أخرى ظلت تلازمه منذ بداية شبابه و هي الصدع بالحق و الشجاعة في مواجهة الطغاة، و هذا ما يتبين من حكاية عجيبة يرويها كتاب سيرته تعبر عن  طبيعة مزاجه الذي لا يداهن و لا يحابي، فعندما كان لا يزال حديث التخرج من المدارس الدينية في كردستان، (وفي إحدى الليالي، رأى في المـنام الشيخ عبد القادر الگيلاني (قدس سره) وهو يخاطبه:

- ملا سعيد! اذهب إلى رئيس عشيرة ميران مصطفى پاشا، وادعه إلى الهداية والرشاد والإقلاع عن الظلم، وليقم الصلاة ويأمر بالمعروف.. واقتله إن لم يستجب.

بادر الملا سعيد إلى الذهاب إلى عشيرة ميران قاصداً خيمة مصطفى پاشا، ولكن لم يجده فجلس ليأخذ قسطاً من الراحة. وما أن دخل مصطفى پاشا الخيمة حتى هبّ الحاضرون قياماً، احتراماً له، سوى الملا سعيد لم يحرك ساكناً. لمح الپاشا ذلك  فسأل أحد أمراء العشيرة فتاح آغا عن هذا الشاب فأعلمه انه ملا سعيد المشهور وحاول الپاشا كظم غيظه، وهو الذي ما كان ينشرح للعلماء، وسأل الملا سعيد:

- لِمَ أتيت إلى هنا؟

- جئت لإرشادك إلى الحق، فإما أن تتخلّ عن الظلم وتقيم الصلاة، او أقتلك!

لم يتحمل الپاشا هذا الكلام فاندفع خارج الخيمة، وتجول قليلاً ثم عاد إليها وكرر السؤال نفسه.

فأجابه الملا سعيد: لقد قلت لك ... جئت من اجل ما ذكرت!

أشار الپاشا إلى السيف المعلق بعماد الخيمة وقال بسخرية:

- أبهذا السيف الصدئ تقتلني!؟

- اليد هي التي تقطع لا السيف!

مرة أخرى ترك الپاشا الخيمة وهو يفور غضباً. ثم دخلها مخاطباً الملا سعيد:

- إن لي جمعاً غفيراً من العلماء في منطقة الجزيرة جزيرة ابن عمر وسأعقد مناظرة علمية  فيما بينكم. فإن أقمت الحجة عليهم وألزمتهم، انفّذ طلبك وإلاّ فسألقيك في النهر.

قال الملا سعيد:

- كما انه ليس من شأني  إلزام جميع العلماء ، فليس باستطاعتك إن تلقيني في النهر. ولكن إن تفوقت عليهم اطلب منك بندقية ماوزر لأقتلك بـها ان لم تحافظ على وعدك.

عقب هذه المشادة العنيفة ذهبا معاً على الخيول إلى الجزيرة، ولم يتكلم الپاشا مع ملا سعيد طول الطريق. ولما وصلا إلى أحراش باني خاني أخلد الملا سعيد إلى النوم بعد أن أصابه الإرهاق. ولما أفاق وجد علماء الجزيرة ومعهم كتبهم ينتظرون ساعة المناظرة.

انعقد المجلس... وبعد تبادل السلام دارت أقداح الشاى على الحاضرين ولكن العلماء كانوا في شغل شاغل عن الشاي، إذ كانوا يقلبون صفحات الكتب، مأخوذين بشـهرة الملا سعيد ومنتظرين اسئلته، بينما لم يحفل الملا سعيد بالأمر، ولم يكتف بشرب شايه، بل بدأ بارتشاف الشاي الموضوع أمام إثنين أو أكثر ممن حوله من العلماء المشغولين بالنظر في الكتب .

وعندها خاطب مصطفى پاشا العلماء وهو يراقب مجرى الأمور:

- على الرغم من أنني لست  متعلماً فإنني أرى أنكم ستُغلبون أمام الملا سعيد في مناظرتكم، لأني لاحظت ان إنكبابكم على الكتب ألهاكم عن شرب الشاي،  بينما شرب الملا سعيد شايه ثم عدداً  من أقداح غيره.

بدأ الملا سعيد بالملاطفة وشئ من المزاح مع العلماء ثم قال:

- أيها السادة! لقد عاهدت ألاّ اسأل أحداً، وها أنا منتظر أسئلتكم.

فاطمأن العلماء! وبدأوا بطرح ما يقارب الأربعين سؤالاً. وأجاب الملا سعيد عن الأسئلة كلها إجابات صائبة، سوى سؤال واحد أخطأ في جوابه، دون أن ينتبه إليه العلماء، حيث صدرت من الجميع علامات التصديق.

وبعد أن انفضّ المجلس، تبعهم الملا سعيد قائلاً:

- أرجو المعذرة.. لقد سهوت في جواب السؤال الفلاني ولم تفطنوا إليه. والجواب الصحيح هو كذا وكذا...

ثم باشر قسم من هؤلاء العلماء يجلسون منه مجلس الطالب لينهلوا من فيض علمه. أما مصطفى پاشا فقد وفى بوعده وأهدى إلى الملا سعيد بندقية ماوزر وبدأ بإقامة الصلاة.(

و ظلت طبيعة التحدي و المواجهة صفة لصيقة بشخصية بديع الزمان حتى اثناء اسره في روسيا عشية الحرب العالمية الاولى و اعتقاله بصفته رئيس كتيبة مجاهدين ضد القوات الروسية المعتدية، و نسوق على سبيل المثال محاورته مع أحد رجال البوليس الروسي أثناء أسره في مدينة روسية تدعى تفليس و ذلك كما يرويها/

( قبل عشر سنوات  ذهبت إلى تفليس وصعدت تل الشيخ صنعان، كنت أتأمل تلك الأرجاء

أراقبها. اقترب مني أحد رجال البوليس فقال :

- بم تنعم النظر؟

قلت: اخطط لمدرستي!

قال: من أين أنت؟

قلت: من بتليس

قال: وهنا تفليس!

قلت : بتليس وتفليس شقيقتان

قال: ماذا تعني؟

قلت : لقد بدأ ظهور ثلاثة أنوار متتابعة في آسيا، في العالم الإسلامي، وستظهر عندكم ثلاث ظلمات بعضها فوق بعض، سيُمزّق هذا الستار المستبد ويتقلص، وعندها آتي إلى هنا أنشئ مدرستي.

قال: هيهات ! إنني أحار من فرط أملك؟

قلت : وأنا أحار من عقلك ! أيمكن ان تتوقع دوام هذا الشتاء؟ إن لكل شتاء ربيعاً ولكل ليل نهاراً.

قال: لقد تفرق المسلمون شذر مذر.

قلت: ذهبوا لكسب العلم ، فها هو الهندي الذي هو ابن الإسلام الكفوء يدرس في إعدادية الإنكليز.

وها هو المصري الذي هو ابن الإسلام الذكي يتلقى الدرس في المدرسة الإدارية السياسية للإنكليز..

وها هو القفقاس والتركستان اللذان هما ابنا الإسلام الشجاعان يتدربان في المدرسة الحربية للروس.. الخ.

فيا هذا ! ان هؤلاء الأبناء البررة النبلاء، بعد ما ينالون شهاداتهم، سيتولى كل منهم قارة من القارات، ويرفعون لواء أبيهم العادل، الإسلام العظيم، خفاقاً ليرفرف في آفاق الكمالات، معلنين سر الحكمة الأزلية المقدرة في بني البشر رغم كل شئ.)

و بعد أن أرسل بديع الزمان من مدينة بتليس إلى معسكرات الاعتقال الروسية في سيبيريا، وقعت حادثة عجيبة تبين مدى قدرته على تحدي الطغيان، و لو في حالة الشدة، كما تبين شدة اعتزازه بإيمانه و اسلامه و علمه، و الحادثة يرويها احد الشهود كالتالي//

( عندما جُرحت واُسـرتُ في موضع بتليس في الحرب العالمية الأولى، وقع بديع الزمان ايضاً في اليوم نفسه أسيراً. فاُرسل إلى اكبر معسكر للأسرى في سيبريا، واُرسلتُ إلى جزيرة نانكون التابعة لباكو.

ففي يوم من الأيام عندما يزور نيقولا نيقولافيج المعسكر المذكور للتفتيش - يقوم له الأسرى احتراماً - وعندما يمر من أمام بديع الزمان لا يحرك ساكناً ولا يهتم به، مما يلفت نظر القائد العام، فيرجع ويمر من أمامه بحجة أخرى، فلا يكترث به ايضاً. وفي المرة الثالثة يقف أمامه، وتجري بينهما المحاورة الآتية بوساطة مترجم:

- أما عرفني؟

- نعم أعرفه انه نيقولا نيقولافيج، خال القيصر والقائد العام لجبهة القفقاس.

- فِلمَ إذن قَصَد الإهانة؟

- كلا! معذرة. إنني لم استهن به. وانما فعلت ما تأمرني به عقيدتي.

- وماذا تأمر العقيدة؟

- إنني عالم مسلم احمل في قلبي الإيمان، فالذي يحمل الإيمان في قلبه أفضل ممن لا يحمله. فلو أنني قد قمت له احتراماً لكنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي. ولهذا لم أقم له.

إذن فهو بإطلاقه صفة عدم الإيمان عليّ يكون قد أهانني وأهان جيشي وأهان أمتي والقيصر فليشكّل حالاً محكمة عسكرية للنظر في استجوابه.

 وتتشكل محكمة عسكرية بناء على هذا الأمر، ويأتي الضباط الأتراك والألمان والنمساويون للإلحاح على بديع الزمان بالاعتذار من القائد الروسي وطلب العفو منه، إلاّ انه أجابـهم بالآتي: إنني راغب في الرحيل إلى دار الآخرة والمثول بين يدي الرسـول الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) . فأنا بحاجة إلى جواز سفر فحسب للآخرة. ولا أستطيع ان اعمل بما يخالف إيماني...

وتجاه هذا الكلام يؤثر الجميع الصمت منتظرين النتيجة.

وتنهي المحكمة أعمالها بإصدار قرار الإعدام بموجب مادة إهانة القيصر والجيش الروسي. وتحضر مفرزة يقودها ضابط روسي لأخذه إلى ساحة الإعدام. ويقوم بديع الزمان إلى الضابط الروسي قائلاً له بابتهاج: اسمحوا لي خمس عشرة دقيقة فقط لأودي واجبي.

فيقوم إلى الوضوء وأثناء أدائه الصلاة، يحضر نيقولا نيقولافيج ويخاطبه:

- أرجو منك المعذرة. كنت أظن أنكم قمتم بعملكم هذا قصد إهانتي، فاتخذت الإجراءات

- أرجو منك المعذرة. كنت أظن أنكم قمتم بعملكم هذا قصد إهانتي، فاتخذت الإجراءات القانونية بحقكم، ولكن الآن أدركت أنكم تستلهمون هذا العمل من إيمانكم، وتنفذون ما تأمركم به عقيدتكم. لذا أبطلت قرار الحكم بحقكم. إنكم تستحقون كل تقدير واعجاب لصلاحكم وتقواكم. أرجو المعذرة فقد أزعجتكم. واكرر رجائي مرار:أرجو المعذرة.)

الاستاذ سعيد ارجدان

محام بهيئة الدار البيضاء

[email protected]




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة